أحمد مصطفى المراغي

259

تفسير المراغي

( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) أي إذا تمّ لك كل ذلك فنزّه ربك وقدّسه عن أن يهمل الحق ، ويدعه للباطل يتغلب عليه ، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به ، بأن يجعل كلمتك العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، ويتم نعمته عليك ولو كره الكافرون . وليكن تنزيهه بحمده على ما أولاك من نعم ، وشكره على ما منحك من خير ، والثناء عليه بما هو له أهل ، فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب ، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ، فلن يضيع أجر العاملين . ( وَاسْتَغْفِرْهُ ) أي واسأله أن يغفر لك ولمن اتبعك من أصحابك ما كان منهم من القلق والضجر والحزن والأسى لتأخر النصر . والتوبة من هذا القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد اللّه ، وتغليبها على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد ، وإن كان ذلك مما يشق على نفوس البشر ، ولكن اللّه قد علم أن نفس رسوله قد تبلغ ذلك الكمال ، ومن ثم أمره به ، وهكذا يحدث في نفوس الكملة من أصحابه وأتباعه ما يقارب ذلك ، واللّه يتقبله منهم . ثم علل طلب الاستغفار بقوله : ( إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ) أي إنه سبحانه كثير القبول لتوبة عباده ، لأنه يربى النفوس بالمحن ، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة ، وشدّد عزيمتها بحسن الوعد ، ولا يزال بها حتى تبلغ مرتبة الكمال . وخلاصة ما سلف - إذا حصل الفتح وتحقق النصر ، وأقبل الناس على الدين الحق فقد زال الخوف ، فعليك أن تسبّح ربك وتشكره وتنزع عما كان من خواطر النفس وقت الشدة ، فلن تعود الشدائد تأخذ نفوس المخلصين من عباده ما داموا على تلك الكثرة ، ينزل بساحتهم الإخلاص وتجمعهم الألفة .